علي القصير: تدريس الموروث الثقافي يحفظ تاريخنا وهويتنا

 الشارقة: فدوى إبراهيم
علي القصير راوٍ إماراتي، لم تكن مهنته ولا دراسته تؤهلانه للرواية الشفاهية للتراث المحلي، إلا أنه امتلك ما هو أكبر من ذلك، فقد عاش بمنطقة التراث في الشارقة زمن الأصالة، وعمل بالقطاع التربوي وعرف أهمية أن يظل الموروث حياً للأجيال المتلاحقة، في زمن نشهد فيه كل يوم تطوراً ملحوظاً وإنجازاً عصرياً يبعدنا أكثر عن الماضي، فأخذ على عاتقه أن يكون بما يرويه الرابط بين الماضي والحاضر.


التقينا الراوي علي القصير في مجلس أحد البيوت القديمة الواقعة على واجهة الميناء، يجتمع فيه كل من ارتسمت على وجوههم خطوط الزمن الأصيل، معبقة برائحة ماضي تخلله تعب وتحديات بنت واقعاً مزدهراً، وكعادته مرحباً بلهجة الماضي استقبل قدومنا محاطاً بصور مؤطرة معلقة على جدران المجلس تأخذ من يشاهدها بشكل طوعي إلى زمان غير الزمان.

قرر علي القصير أن يصبح راوياً لأجل إيصال المعلومات التراثية والمحلية المرتبطة بالدولة إلى كل من يقطن أرض الإمارات، وإلى الجيل الجديد الذي لم يعاصر المفردات والمهن القديمة، وحول ذلك يتحدث، قائلاً: «الراوي هو كاتب قصص وروايات أو من مرت عليه قصص قديمة فيرويها شفاهياً لمن لم يعشها، وقد اخترت الأسلوب الثاني الذي يمكنني من خلاله الوصول إلى أكبر شرائح وفئات المجتمع، وذلك من خلال ظهوري في برنامج «النيشان» الرمضاني حيث نقدم المعلومة التراثية، ونصحح الأخطاء المتعلقة بالكلمات المحلية ولفظها الأصيل سواء كانت تتعلق بمفردات الحياة العامة أو الأدوات التي كانت تستخدم في المهن السائدة، وكذلك العادات والتقاليد وتاريخ الدولة والآثار المكتشفة، وغير ذلك الكثير». ويشير القصير إلى أنه كلما تقدم الزمن ازدادت أهمية الراوي وصعبت، حيث دخلت الثقافات المختلفة ببعضها واندمج الجيل الجديد بثقافة الخارج عبر التقنيات الحديثة التي لا تفارق أيديهم.
لم يعان علي القصير في طفولته فقراً أو ضيق حال، لكن شأنه شأن كثيرين غيره ممن عاشوا ظروفاً تُلقى على كاهلهم المسؤولية كجزء طبيعي في الحياة آنذاك، فمنذ بلغ وأصبح عمره ما بين 14-15عاماً بدأ العمل مع والده في المنجرة التي أمتلكها وامتهن فيها النجارة، وعن تلك الفترة يقول: «لم يكن هنالك مدارس نظامية خلال فترة طفولتي، فنذهب بداية للمطوع لنقرأ ونحفظ القرآن ونختمه، ومن ثم تأتي المرحلة الثانية في «الكتّاب»، وهو بمثابة المدرسة لنا حينذاك، من يتقن فيها إعادة كتابة الكلمات على لوح الكتابة دون خطأ يتأهل للمرحلة التالية، ثم التحقت بالمدرسة التي كانت ذات نظام مختلط، وتحمل اسم رابعة العدوية، وبعد أن تم فصلها أصبح للبنين المدرسة القاسمية، وأول مدرسة نظامية افتتحت في الشارقة أوائل الخمسينيات هي البعث الكويتية، وكانت ذات نظام مختلط للبنين والبنات لكن بشكل منعزل».
ويذكر القصير أن فترة من حياته قضاها في السعودية، حيث قرر أبوه الانتقال إلى هناك للعمل في النجارة، فسافر معه وعادا نهاية الخمسينيات، وافتتح أبوه محلاً وكان لا بد له أن يكون إلى جانبه، وكان من حسن حظه افتتاح المدرسة الصناعية الفنية التي كانت تعلم الطلبة الفنون المهنية اليدوية، واختار وفق ذلك تعلم فنون النجارة، فكان ما أن ينتهي من دراسته اليومية يعود لدكان أبيه ليطبق ما تعلمه.
ويشير القصير إلى أن التقديم لامتحان الثانوية كان يتم في الكويت، بخلاف من كان يدرس هناك أصلاً، ومن يحصل على شهادة الثانوية يبتعث للدراسة في دول عربية كالأردن والعراق ودول غربية.
تطورات معيشية
بعد العودة من السعودية ودراسته في المدرسة الصناعية الفنية، كانت الأوضاع حينها قد بدأت بالتطور والتغير في الإمارات، فعمل القصير نجاراً في «المحطة» بمنطقة القاسمية حالياً، وحول ذلك يقول: «ما يسمى اليوم بصعوبات كان هو ما نعيشه بشكل بسيط ولا يشكل لنا عائقاً، كنا نحب الحياة ونتأقلم مع كل ما يمر بنا، وكان حينذاك مهنتان لعمل المواطنين، الأولى الغوص والصيد البحري، والثانية العمل في مهن مختلفة داخل «المحطة» قبل الرحيل البريطاني، وهي عبارة عن معسكر معزول نمتهن فيه الحدادة والنجارة والبناء وما إلى ذلك، وعملت هناك لفترة وفي أماكن أخرى، بالإضافة إلى توفر مهن البيع بالأسواق المنتشرة في المنطقة كالعرصة والشناصية وصقر والشويهيين.
كان منزلنا في منطقة التراث حالياً، هكذا يقول القصير، بجانب بيت الشامسي الذي رمّم، ويضيف: «الحياة حينها لم تكن تراثاً بل هي الأيام الاعتيادية التي نعيشها، وتعتبر اليوم من وجهة نظر الجيل الجديد حياة صعبة، وكان حينها لدينا محال في سوق العرصة في منطقة التراث، ولعل ما شهدته من توجه حكومي في إحياء المناطق القديمة والاهتمام بكل تفاصيل التراث هو ما يجعلني استمر في تقديم ما أمتلكه من معلومات لأنقلها عن التراث، وهو من وجهة النظر الحكومية ليس فقط المباني وإنما العادات والقيم والموروث الثقافي الذي لا بد من نقله للأجيال المتلاحقة كي لا يندثر، ونحن اليوم وسيلة لذلك، وتمتد الرؤية لتنتقل لكل زائر وسائح من خلال المتاحف المنتشرة على طول الوجهة المقابلة للميناء في منطقة التراث، وفندق البيت الذي سيشكل لهم تراثًا حياً يعيشون وسطه ماضٍ أصيل.
ولم يكن هنالك غنى عن الوافد المهندس والفني والخبير والعامل وغيرهم، لأن الهدف كان بناء الدولة وذلك بعد قيام الاتحاد، وحول ذلك يقول القصير: «كنا في أمسّ الحاجة للوافدين وخاصة في القطاع التعليمي، وكنا مهيئين نفسياً لاستقبال هؤلاء الجدد على ثقافتنا ومرحبين بهم، حيث نبع تقبلنا من قيمنا الأصيلة وتوجهات حكومية زرعت فينا حب الآخرين والانفتاح على ثقافتهم، بالإضافة إلى هدفنا الرئيسي وهو بناء الدولة بأسس قوية، والتشجيع على التعليم كان على رأس الأولويات».
وفي العام 1972 التحق علي القصير بوزارة التربية والتعليم، وخلال عمله مارس العمل الإداري ثم إدارة الوسائل التعليمية حتى العام 1997 كمساعد مشرف فني في إمارة دبي، ثم انتقل إلى منطقة الشارقة التعليمية، حتى أتم 35 عاماً في الحقل التربوي وتقاعد متفرغاً لنقل الموروث المحلي للجيل الجديد والقاطنين على أرض الدولة.
حول تمثيل التراث المحلي في الفنون الأدائية كالمسرح والتلفزيون، يقول القصير:
«إنه توجه مكمل لما يقدمه وغيره من أساليب لنقل الموروث لمن لم يعشه، فالمسلسلات التراثية والمسرحيات تحاول أن تنقل الماضي إلى الحاضر بطريقتها، ورغم أنها قد تتضمن بعض الأخطاء، إلاّ أنها تقوم بدورها في ترسيخ العادات والتقاليد لئلا تندثر، وهي خطوة جيدة لا بد من مباركتها ونتمنى لها الاستمرار، لكن في الوقت ذاته علينا تفهم أن الأدوار المتكاملة هي الطريقة الأمثل لتعزيز التراث، ومن ذلك مقترح أن تدرج مادة تراثية في المنهاج المدرسي، وألا يحصر تعرّف الجيل الجديد إلى التراث من خلال المهرجانات فقط».
ويشدد القصير على أهمية أن يدرك الشباب ومن يصغرهم سناً أهمية تراث دولتهم، فدون ماضيهم لن يكون لديهم ما يعتزون به ويرتكزون عليه، مشيراً أنه يخشى أن تسرقهم التقنيات الحديثة ورغد العيش من الماضي الذي أسسهم. ويقول: «أفخر بكل من يقدم الموروث المحلي وما يتضمنه وأشكاله الشفهية والمادية من النساء والرجال، الذين نجدهم في المجالس والمهرجانات والقنوات التلفزيونية، وأتمنى أن يدرك الشباب أهمية ذلك، فهم كنوز قد لا يدركونها اليوم، لكنهم حتماً سيفتقدونها غداً».
حتى آخر لحظة
ولد القصير في منطقة التراث إلى جانب أربعة أشقاء وبنت هي الصغرى، في أسرة متعاضدة متكاتفة، بقوا إلى جانب والديهم حتى تزوج ثلاثة من الأبناء في منزلهم، حتى كان قرار ترميم المنطقة وبيوتها فانتقلوا إلى الغبيبة بالشارقة، حيث منحتهم الحكومة العيش في بيت كبير ما جعلهم يتوسعون في سكنهم إلا أنهم بقوا مع الوالد والوالدة حتى آخر لحظة.

- See more at: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/457c186e-0c06-4198-bcd3-47b7eba84f78#sthash.RE1lLR8y.dpuf