ولد الشيخ الأديب محمد بن علي بن محمد بن محمود بن سالم بن سعد بن عبدالله بن رضيان بن أحمد بن إبراهيم بن عبدالله بن محمد بن سلطان بن محمود التميمي نسبا، والحنبلي مذهبا، في مدينة الشارقة بحي يسمى حي الشيوخ سنة 1330 ه، الموافق لعام 1911م .

وكان لنشأته وتربيته الصالحة في بيت اعتنى عناية خاصة بالعلم والثقافة، الدور الكبير في بروز شخصية أديبنا الكبير الجليل، حيث بدأ منذ نعومة أظفاره يميل إلى حب الاكتشاف والبحث عن كل ما هو مفيد لتطوير ذاته، فكان محبا لقراءة أنواع من الكتب التربوية والدينية والأدبية واللغوية، وساعده في ذلك نشأته في بيت قام على الصلاح والتقوى، حيث كان والده التاجر والمصلح الكبير علي بن محمد المحمود، أول من أسس مدرسة تطورية ساهمت في تعليم الأبناء وتثقيفهم الثقافة الإسلامية وترسيخ إيمانهم بأركان الإسلام وحب العلم والمعرفة .

وتتلمذ الشيخ محمد وتعلم على يد نخبة من العلماء، وكان من أساتذته أو معلميه الشيخ صالح محمد الخليفي، والشيخ سيف بن محمد المدفع، والعالم الفقيه محمد بن سيف، والشيخ مشعان بن ناصر المنصور، والشيخ عبد الرحمن بن محمد الشامسي، وبعد أن تتلمذ على أيديهم، اعتنى بنفسه عن طريق القراءة والاطلاع على الكثير من الكتب والدراسات . وكان للبيئة تأثيرها البالغ في شخصيته وحياته، وظهر ذلك على شكل صور وتجارب عديدة لها واقعيتها في الحياة، بل إن للشارقة نبضها وشعلتها ووميض تفاعلها مع محيط امتلأت أرجاؤه ونواحيه بالنشاطات المتنوعة في كل جانب، وفي كل ناحية .

عن بدايته وحبه للبحث عن كل ما هو جديد في مجال العلم والتعليم منذ الصغر، يروي قصة زيارته إلى المدرسة الأحمدية، فيقول: كنت لم أتجاوز العاشرة عندما انطلقت أنا وخادم لنا اسمه رباع، وكان في مثل عمري، وأخذنا الطريق البحري، ومررنا ببيت سالم بن مصبح، وبيت ماجد بن غرير، ووصلنا إلى الرأس، ومشينا، ولما تجاوزنا بيت سعيد بن بطي، واقتربنا من بيت سعيد بن حمدان بن دلموج، سمعنا أصوات الطلاب فقلت لرباع، إذاً هنا المدرسة، وعرجنا عليها فوراً، ودخلنا، وأعجبت ببنيانها الجميل، وفنائها وفصولها، وكان الطلبة في الطابق العلوي، أما في الطابق الأرضي، فقد جلس الشيخ المرحوم عبد العزيز بن أحمد آل مبارك وأمامه الطلبة في حلقة علمية مهيبة، ويتكون الطابق العلوي من أربعة فصول، ثلاثة في فناء واحد، وفي كل منها مقاعد من الخشب، أما الفصل الرابع، وهو الأكبر، فيقع في الجانب الشمالي من ناحية البحر .

وجلست أنا ورباع في الجانب الشرقي خارج الفصل أتفرج على التعليم، وعلى جانبي غرفة كبيرة منظمة كانت مخصصة للمدرسين، وخرجت من المدرسة وعدت في اليوم الثاني، وهكذا تكررت زياراتي، وفي اليوم الثالث كان رباع بجانبي، وإذا بمدير المدرسة الشيخ عبدالله الوهيبي المعروف بالمزين، يفتح عينه ويصوبها علينا، كأنه يقول إن هذا الولد، اليوم هو الثالث له يأتي ويجلس هنا، من هو وماذا يريد؟ ورد عليه الطلبة مؤيدين، وكان من بينهم الأديب المرحوم أحمد بن سلطان بن سليم، وجاء المدير يمشي مهلا مهلا، وجلس عندي وقال لي يا ابني انته ولد من؟ فقلت له: أنا ولد علي بن محمود، وما كاد يسمع الكلمة إلا وفرح وطفق سرورا، فقال انته ولد الحاج علي، فقلت نعم، فقال أهلا وسهلا، وكانت تلك هي أول زيارة لي للمدرسة الأحمدية .

ويتابع: وقبل ذلك درست في مدرسة فتحها المرحوم عبيد بن عيسى النابودة وكانت تشبه الأحمدية لكنها مصغرة، واستمرت سنتين وقد تعلمت فيها سنة واحدة، ثم انتقلت إلى المدرسة السالمية، التي أشرف على إدارتها صالح بن محمد الخليفي، وهو رجل جمع بين العلوم الشرعية والمناهج العصرية، وكان قارئا ذا صوت جميل، وخط جميل، ومتوسعا في الرياضيات، وتعلمت على يديه في السالمية ثلاث سنوات، وبعد ذلك كنت مع الوالد في البحرين في سنة 1347 ه الموافق 1928م، والتحقت بمدرسة الهداية الخليفية بالبحرين لمدة أربعة شهور، وهي مدة إقامة والدنا في المنامة، حيث كان يتاجر باللؤلؤ، وقد كان سوق اللؤلؤ في البحرين من أشهر الأسواق في الخليج العربي، وأكثرها رواجا ونشاطا .

اعتمد الفكر التعليمي عند المرحوم بإذن الله في بداية ظهوره على الثقافة التي تأصلت بتفاعل المثقفين مع التعليم، حيث إن التعليم كان المنطلق والعمود الفقري لتأصيل ثقافات مستمدة جذورها وأشكالها من النظرة الواقعية للحياة، وقد تعددت الرؤيا، لكنها اتجهت لتحقيق هدف واحد، ألا وهو التطوير والتحديث والتغيير .

كما كان المرحوم بإذن الله سباقا في تعليم الفتيات بمفهومه التطوري، عندما افتتح أول فرع في مدرسة الإصلاح لتعليم البنات، وعن ذلك يقول: كان في الزمان السابق المطاوعة والمطوعات يخلطون الجنسين في قاعة العلم . وعندما افتتحت المدارس التطويرية لم يكن فيها مجال لتعليم البنات إلا بعد أن خصصت الإصلاح فرعا خاصا تتعلم فيه الفتاة تعليماً حديثاً، وبهذا تكون المبادرة هي الأولى من نوعها .

وأخذ مفهوم التطوير والتحديث لدى المرحوم بإذن الله أشكالا وجوانب مختلفة، إذ كسر بجهوده ونظرته التقدمية حالة الارتداد والتباطؤ في تقبل مظاهر العصر الحديث، ومنها تعليم البنات وتثقيفهن ليصبحن أمهات صالحات، حيث رأى المحمود أنه من الواجب إتاحة الفرصة للبنت لتلتحق بالمدارس المطورة، وتجلس على مقاعد الدرس، ومن أجل إقناع أولياء الأمور والمسؤولين بهذه الفكرة الجديدة أقامت المدرسة احتفالا، دعت إليه الناس والشيوخ، ومن عادة الإصلاح أن يختار مديرها كلمة يلقيها أحد الطلاب أثناء الاحتفال .

وكان للفقيد كلام وقول جميل ذو مغزى ومعنى عميقين، ومنه: التعليم رسالة مقدسة، لذا يجب على المعلم أن يكون مثقفاً مدركاً وواعياً، وأنا بالدرجة الأولى معلم، وينبغي علي أن أقرأ واتثقف، لكي أستطيع أن أمارس هذه المهنة، الرسالة العظيمة . وكذلك فلسفتي كامنة في حب الأخلاق وترسيخ المبادئ والقيم السامية في أبناء وطننا العربي، والعدل سبيلي والرشاد والإصلاح غايتي، ولو التزمنا بتعاليم كتاب الله، لما وصلنا إلى ما نحن فيه من شتات وضياع، ومع ذلك أنا واثق أن بعض شبابنا التائه سيعود إلى طريق الهداية .

شعره

من أبرز ما جاء في شعره الوطني قصيدة له تتناول القيم السامية وطنيا وعربيا لمعاني عيد الجلوس، ومما جاء فيها:

تحية لعظيم المجد والشان

تحية الله من وحي وقرآن

إلى الهدى والعلا والمكرمات

إلى الندا به يسعد الدنيا بإحسان

إلى همام إمام عادل بطل

إلى الذكا والحجا في حسن إمعان

إلى مقام سمو الحاكم اليقظ الشهم

العظيم رفيع القدر والشان

وذروة العز والعلياء ترمقه

(بزايد) أنعم شب سلطان

مكتبة ثقافية

أسس المرحوم محمد بن علي المحمود مكتبة ثقافية في مدرسته الأولى التي ظهرت في الحيرة، وكانت المكتبة تسمى مكتبة الإصلاح، وهي ثالث مكتبة في الشارقة ظهرت بعد المكتبة التيمية التي أسسها والده في المدرسة التيمية المحمودية، حيث دعا طلبة الإصلاح للقراءة والاطلاع، وعدم الاعتماد على المنهج أو المقرر المدرسي