صور مختارة

حكام الامارات السبع
الاسواق القديمة
الشارع الرئيس لواحة العين عام 1963
الشارقة
زمان الاول
خارطة الشارقة

رائد التراث

الاحصائيات

187938
Today
Yesterday
This Week
Last Week
This Month
Last Month
All days
282
513
1704
182259
12438
13703
187938

Your IP: 34.236.187.155
2021-06-22 14:53

تسجيل الدخول

الراوي جمعة بن حميد

أسهم الراوي جمعة بن حميد (مواليد الشارقة في نهاية فترة العشرينيات، الذي غيّبه الموات العام 2010 عن عمر85 عاماً) في تقديم روايات فريدة عن البحر، ومشاهدات عن الحياة السياسية في الإمارة، وعن العادات والتقاليد في الماضي وزمن الغوص.


وقد أجريت معه هذا الحديث العام 2005، ويروي فيه مشاهد حية من الذاكرة، تناولت أحداث وذكريات مسيرة طويلة جمعت بين البر والبحر، وكيف تعامل أهل الإمارات معهما، وطوعوا أساليب حياتهم وفقاً لظروفهم الجغرافية والمناخية، لتستمر مسيرة العطاء والحياة على تلك الأرض الطيبة.
جمعة بن حميد، «ذاكرة الشارقة»، وحافظة تاريخها، كما وصفه الباحث عبد العزيز المسلم، ويرجع هذا الوصف إلى أن جمعة بن حميد شهد التغيرات المهمة والتطورات العميقة، التي مرت بها الإمارة في القرن العشرين، وتاريخ رجالاتها، الذين تركوا بصماتهم في مجالات السياسة والأدب والثقافة والتجارة والاقتصاد، خصوصاً تجار اللؤلؤ، الذين عمّروا المدينة، وكانت لهم إسهاماتهم في تحريك الثقافة، بما جلبوه من مجلات وكتب شكلت غذاءً روحياً وفكرياً لشباب تلك الفترة، وكان ابن حميد أيضاً شاهداً على ثلاث فترات من تاريخ الإمارات: الفترة القديمة، حيث المجتمع التقليدي وأنماط عيشه التي كان يمارسها، وكيف انحسرت تلك الأنماط شيئاً فشيئاً، مع ظهور النفط وبداية التغير، وهي الفترة الوسطى التي بدأ فيها المجتمع ينتقل إلى حياة التحضر، أما الفترة الثالثة فهي فترة تأسيس الاتحاد واستقرار الدولة والدخول في عصر التطور، وقد استطاع أن ينقل، بوعيٍ ثاقب، تفاصيلَ الفترتين السابقتين، ويرويهما للأجيال اللاحقة، وقد وثّقت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة مروياته، وحفظتها لتكون وثيقة تاريخية، تسهم في إبقاء معالم الحياة التقليدية للمجتمع، حاضرةً في أذهان الأجيال اللاحقة.
أحاط ابن حميد بأشكال التراث العمراني ومميزاته، وحفظ خصائص العمارة الإماراتية ومواد بنائها ووظائف كل منها، كالبراجيل التي كانت تُستخدم للتبريد، حيث تجلب الهواء البارد وتدفع الهواء الساخن خارج المنزل، وأنواع الخشب والطين والحجارة، التي تكون مواد البناء، وكيف يكون البناء مقاوماً للريح والرطوبة والحرارة، كما حفظ بشكل خاص معالم الشارقة القديمة، وتواريخ منازلها، وأصحاب تلك المنازل من طبقة الأعيان والتجار بشكل خاص، وقد أصبحت شهادته في هذا المجال وثيقة عمرانية يستطيع بها الباحثون والمعماريون إعادة تصور شكل المدينة القديم، ونمط الحياة فيه. ويملك جمعة بن حميد مشاهد حية في ذاكرته، عن مسيرة طويلة، وذكريات جمعت بين البر والبحر، وكيف تعامل أهل الإمارات معهما، وطوّعوا أساليب حياتهم وفقاً لظروفهما الجغرافية والمناخية، لتستمر مسيرة العطاء والحياة على هذه الأرض الطيبة.

ينابيع العبقرية الإماراتية
يقول ابن حميد: حساب الدر توارثناه عن الأجداد، ونحن لا نعرف أصل التسمية، لكنها تعني طريقة حساب، إنه جغرافيا الحياة على تلك الأرض الطيبة، فمنذ عاش الإنسان على هذه الأرض، وقبل اختراع أجهزة الرصد الفلكية الحديثة، ارتبطت حياته وطرق معيشته بالظواهر الفلكية، لأسباب مختلفة، بحرية وزراعية وتجارية وسياسية واجتماعية ودينية، وذلك لمعرفة مواعيد الخروج إلى البحر والصيد ومواقيت الصلاة واتجاه القبلة، والصوم والإفطار، وتوقيتات الزراعة ورعي الماشية وجني المحاصيل، وتوزيع حصص مياه الأفلاج، وإداراتها وفق نظام يضمن عدالة التوزيع. وذلك من خلال رصد الكواكب والنجوم وتوقيتاتها، وربط حصص المياه وفق فترات زمنية مرتبطة بلحظة بزوغ النجم وأفوله.
ويضيف ابن حميد: حساب الدرور مهم لمعرفة حدوث الظواهر المختلفة، مثل العواصف والأمطار التي تتكرر تقريباً في نفس الأوقات. فالدرور تقسيم مناخي للسنة، وفقاً للتغيرات المناخية التي تحدث في البلاد، لما لذلك من أهمية في الغوص والأسفار البحرية، أو الخروج للصيد، حيث يختلف حساب أهل البحر عن أهل البر، فكل عشرة أيام درّ، والشهر فيه ثلاثة درور. ويبدأ العد بظهور نجم سهيل، وهو واضح يراه الناس عند الفجر.
ويؤكد ابن حميد أن أهل الإمارات في الماضي اكتسبوا الخبرة والعلم من واقع البيئة، وما يحدث فيها من تغيرات طبيعية، وما توفر فيها من إمكانيات طبيعية وظروف مناخية، فمن خلال الدرور يعرفون اتجاهات الرياح، وتوقيتها، وهو أمر ضروري لأهل البحر، خصوصاً إذا كانت سفنهم شراعية، تعتمد على حركة الرياح واتجاهاتها، حيث يعرف من يعمل بالبحر متى يبدأ موسم الغوص في عشر الصيف، مع أول طلوع النخل، أي ظهور الطلع، ويكون في در الثلاثين والأربعين والخمسين والستين، أما در السبعين فيكون فيه القفال (العودة من الغوص)، حيث يتوقف موسم الغوص، ومن خلال حساب الدرور يعرف الصيادون كذلك نوعية الأسماك التي ستكون في شباكهم. ويُحدد للأسر الإماراتية توقيت الذهاب إلى البر والمزارع في وقت الصيف، وهي مناطق معتدلة، بها آبار المياه العذبة، وزراعات مختلفة من أشجار النخيل والفاكهة والخضار.
وحساب الدرور مهم في تحديد أوقات هبوب الرياح والعواصف، وبالتالي يتخذ السكان احتياطاتهم، بتقوية بيوتهم بالجندل، وجذوع الأشجار، لحمايتها من قوة الرياح، حيث تستمر الشمال ثمانية أيام، وهي رياح مؤثرة على كل السكان، سواء في البر أو البحر.
والدرور أيضاً مهمة للمزارعين، ففي سبعين الصيف يزرعون البطيخ، وعندما يعتدل الجو ينذر بالخير، وسقوط الأمطار، وبحساب الدرور يمكن معرفة أوقات الري، فالأرض الباردة لا تُروى كثيراً، وفي الأربعين يبدأ موسم الزراعة، كما أن حساب الدرور مهم لأهل البر لحماية حيواناتهم.
ويُستفاد من حساب الدرور في معرفة العواصف والتقلبات المناخية الشتوية، ومن ثم تجنبها، كما يفيد في تحديد وقت الاستعداد لموسم الغوص في الصيف. كما أن حساب الدرور مهم وضروري لمن يعملون في التجارة والسفر والتنقل في البحر، من مدينة وميناء إلى آخر، حيث يمكنهم تحديد مواسم التنقل في البحر، وتجنب العواصف والرياح والأمواج العالية، إضافة إلى استفادتهم من اتجاه الرياح في تحريك أشرعة سفنهم، ومساعدتها على سرعة التنقل.
يقول بن حميد إن الرياح والعواصف تسمى بأسماء معروفة ومتداولة بين الناس، مثل: شمال بن نعيم، وشمال العيوز، وشمال البقر، وهناك رياح تسمى الشلّي، وهي صيفية تنتشر في كل أنحاء البلاد، وتهب في الخامس من برج الأسد، ورياح الاصيمر التي تهب في الخامس والعشرين من برج العقرب. ويكون الشتاء في دَرّ الأربعين والخمسين والستين والسبعين والثمانين، وفي درّ الثمانين تحدث العواصف القوية التي يقال عنها «الخب»، أي البحر الهائج، حيث يهيج البحر ويموج، لذلك يلجأ الغواصون إلى الجزر للحماية، فهي تمثل عليهم خطراً كبيراً، إذ يقال:
الأربعين مسوية رنّه ما يهاوي طيب شرتاها
كم سنبوك سحب سنه تم مسّمر بليّاها
أي أن هواء الأربعين جعل كل سفينة غير قادرة على اتخاذ مرساة في البحر. وهناك مَثل يقول «بارج الليل سافر به وبارج الفجر بندر به»، أي إذا رقّت السماء ليلاً يستطيع البحارة السفر، أما إذا كان البرق عند الفجر فخطورته كبيرة، ولا يُنصح بالسفر بل المكوث في الميناء.
ويستدل على قدوم الرياح القوية من حركة التيارات التي تحدث في قاع البحر، حيث يسأل النواخذة الغواص هل هناك (ييلة) في المياه، أي هل يوجد تيار يحرك الطحالب الموجودة في قاع البحر، فإذا كانت هناك تيارات، فذلك يعني قدوم رياح الشمال، حيث تحرك الماء قبل أن تحرك الهواء، كما أن سقوط الشُّهب دليل على قدوم رياح قوية، فإذا نزلت الشُّهب في الجنوب عرفوا أن هناك هواءً ورياحاً قادمة من الجنوب، وإذا لمعت النجوم فهذا نذير بهبوب الرياح، وإذا سكنت يكون الهواء ساكناً. والرياح ذات أهمية كبيرة في الماضي، فهي مصدر الطاقة التي تحرك السفن القديمة في البحر، وتساعدها على الانتقال من مكان إلى آخر، لأن السفن في ذلك الوقت كانت شراعية.